محمد عبد الله دراز
152
دستور الأخلاق في القرآن
هذا المعنى أو ذاك ، لا في تعريفه المادي البسيط ، بل بما يشمل طابعه الإلزامي ، وجميع شروط الأخلاقية . وفسر ذلك بأنّه ربما يكون من باب التّناقض أن نجد من ائتمن على وديعة ، مع تعهده بردها صراحة ، أو ضمنا ، يتملكها ، فهو حين يفعل ذلك لا تصح الوديعة وديعة « 1 » . ولكن ، أليس واضحا أنّ نظرية ( كانت ) - حتّى مع هذا التّقييد - تظل دائما غير مثبتة ؟ بل نقول : إنّها غير قابلة للإثبات أيضا ، مهما تكن قوة الجدل الّتي يمكن استخدامها ؛ ذلك أنّه حين يسحب اليوم تعهد أخذ بالأمس فإنّ النّاتج عن ذلك يعد تباينا [ Contraste ] بين موقفين متقابلين ، ولكنه ليس مطلقا تناقضا [ Contradiction ] بالمعنى الصّحيح . « فهذا التّعهد يجب أن يلتزم » . هذه قضية قانون ، « ولكنه لم يلتزم » - وتلك قضية واقع . أيّة استحالة داخلية في هذين التّقريرين ؟ . . فما دام وجها التّقابل غير صادرين من نفس المصدر ، ولا يعودان إلى نفس المراجع ، وما دام الإثبات والنّفي لا يقعان معا على نفس الشّيء ، وفي نفس الظّروف - فلا يمكن أن يكون هنالك أي تناقض منطقي ، دون أن نخترع مصطلحا جديدا . « فالعقل يتقاضانا أمرا » . نعم ، وهو لا يفتأ يفعله . . . « والشّعور يقبل أو يرفض » وا أسفا . . لكن ذلك هو قانونه . ذلكم هو الصّراع الخالد بين المثل الأعلى والواقع ، بين شريعة الأخلاق ، وشريعة الفطرة ، وخير دليل على عدم تناقضهما أنّهما يعملان معا ؛ على حين أنّ المتناقض هو الشّيء المطرود من حظيرة الواقع بداهة .
--> ( 1 ) انظر ، 1 - Bergson , les deux sources de la Morale et de la religion , p . 86 .